أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

162

التوحيد

فيأتي خلق من خلائقه فيقتلوهم قبل مضي المدة ، فيمنعه عن إنجاز ما وعدوا الوفاء بالفعل الذي أخبرهم أن يفعله من إبقاء حياتهم إلى تلك المدة ، وفي ذلك إيجاب الحاجة ولحوق الكذب اللذين يحققان السفه والجور ، مع تحقيقهم له القدرة على الظلم والجور والسفه والكذب ، وكل فعل لو كان لأسقط الربوبية وأزال الإلهية ، فأدخلوا إلهيته وربوبيته تحت القدرة والتدبير ، فمتى يكون مع مثله أمن البقاء ، ومع حاله سكون القلب بالوفاء بالذي وعد ، ولا قوة إلا بالله . مع ما موصوفا بالجود والكرم والعفو والإحسان ، وفي الفعل بالوصف الذي ذكرنا زواله جل عن ذلك وتعالى . والوجه الثاني أن الذي يدعو إلى تلك الأفعال ويبعث عليها الحاجة والجهل ، وقد ثبت تعاليه عن الأمرين ، إذ هما يسقطان الربوبيةويزيلان التدبير ، وفي وجود العالم على ما عليه من دلالة غني صاحبه وعلمه بإعطاء كل شيء حقه دليل إحالة هذا الوصف ، لذلك بطل أن يوصف في شيء من فعله بذلك ، ولا قوة إلا بالله . ثم إذ كان الله جل ثناؤه موصوفا بالعلم والقدرة والجبروت والحياة لذاته ، لإحالة احتمال الأغيار ، وإن لم يوجد في الحكماء كذلك ، لم يجب تقديره في أفعاله على أفعال الحكماء في الشاهد . وجملة هذا الأصل أنه لا حكيم في الشاهد إلا وهو محتمل للسفه ، وكذلك الغني والقدير يحتمل لأضداد تلك الصفات ، وكان بها موصوفا حتى أكرم بأضدادها ، فإنه له منها قدر ما أعطى منها ، فهو متى رأى السفه في شيء بين أن يكون قد أغطى علم حقيقة الحكمة في ذلك أو لا ، أو بلغ علمه ما يدرك حكمته أو لا ، أو مما كان من صفته القديمة باقية فيه يمنع ذلك إياه عن الإحاطة بذلك ، فلذلك تبطل وجه دعوى العبد في فعل الله أن ذا ليس بحكمة ولا كذا ، والذي يوضح ذلك علمه بجهلة بأكثر الأشياء ، وعلمه بحاجته وعجزه في أكثر الأمور ، وإحاطته بسفهه في أغلب الأمر ، ومن هذا وصفه في نفسه فخوضه فيما لله أن يفعل عبث وجهل ، على الإشارة إليه ، وليس دون لزوم الجملة اشترك فيها العقلاء ، إذ ذلك حقيقة عمل العقل في الجمة ، وقد أغطى كل ذلك عبث لا معنى له . وللذي بينا قال الله تعالى : * ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) * ( الأنبياء : 23 ) ، إذ فعل كل أحد يحتمل السفه والحكمة ، وفعله يجل عن السفه ، وعلى كل أحد أمر ونهي ، إذ هو لغيره في الحقيقة ، والله يتعالى عن ذلك ، ولأن كلا إنما ملك قدرا من الأشياء وجدا ، والله المالك لها بكليتها ، ونحو ذلك مما يحيل معنى سؤال الرب ، وإذا استحال ذلك فالجواب عنه تكلف ، لكن الله بمنه وفضله وعد الهداية السبيلة لمن جاهد فيه ، فألزم ذلك الخضوع له والتضرع إليه ليطلعه على مكنون حكمته على قدر ما يتفضل به عليه بكرمه ، فإنه على كل شيء قدير .